Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

تقرير إخباري: منظمات حقوقية ترصد 20 ألف حالة اختفاء قسري في مصر وتطالب بمساءلة دولية

​باريس / جنيف / إسطنبول

​كشفت منظمات حقوقية ومحامون دوليون عن توثيق أكثر من 20 ألف حالة اختفاء قسري في مصر خلال الفترة من 2013 إلى 2026، مؤكدين أن الظاهرة تحولت إلى “سياسة دولة ونهج مؤسسي ممنهج”.

جاء ذلك خلال ندوة تخصصية نظمتها منظمة عدالة لحقوق الإنسان

بالتعاون مع مركز إنسان للدراسات الإعلامية- عُقدت تحت عنوان “الاختفاء القسري في مصر بين المنهجية الرسمية والاستحقاقات الدولية”، بالتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري (30 أغسطس)، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والباحثين الحقوقيين والمحامين لتشريح الجريمة وأبعادها القانونية والإنسانية ومسؤولية السلطات المصرية عنها.

افتتاح الندوة وسجل انتهاكات الصحفيين

استهلت الإعلامية مي الورداني، مديرة “مركز إنسان للدراسات الإعلامية”، أعمال الندوة بالترحيب بالحضور والمتابعين عبر البث المباشر، موجهة الشكر لمنظمة “عدالة لحقوق الإنسان” لدورها التوثيقي والتنظيمي، ومُعربة عن سعادتها باستضافة المركز للندوة.

وشددت الورداني على التوصيف القانوني للاختفاء القسري باعتباره “جريمة ضد الإنسانية” وفق القانون الدولي وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، مطالبة بتوفير الحماية الكاملة للإعلاميين والكشف عن مصير المختفين قسرًا، ومستشهدة بحالة الشاعر والكاتب عبد الرحمن يوسف القرضاوي الذي يدفع ثمناً باهظاً لمجرد التعبير عن رأيه.

​واستعرضت الورداني النمط الأبرز المتمثل في الاختفاء القسري قصير الأجل المتبع بالحبس الاحتياطي الممتد، محددة أمثلة توثيقية مسجلة لدى النقابة والمنظمات الدولية (مثل لجنة حماية الصحفيين CPJ ومراسلون بلا حدود)، شملت: أحمد سبيع، ومحسن راضي، ومحمد إبراهيم رضوان (أكسجين)، وأحمد منتصر، ومحمود سعد دياب، وتوفيق غانم، وبدر محمد بدر، وأشرف عمر، وخالد ممدوح.

كما تطرقت للحالات التي واجهت الاختفاء القسري وأُطلق سراحها، كطاقم شبكة الجزيرة (بهاء الدين إبراهيم، وربيع الشيخ، وهشام عبد العزيز، وأحمد النجدي)، وسولافة مجدي، وحسام الصياد، وإسراء عبد الفتاح، ومحمود أبو زيد (شوكان)، إلى جانب الحالات المزمنة والمتجددة كرضا هلال (نائب رئيس تحرير الأهرام الأسبق – اختفى 2003)، ويسري مصطفى (2019)، وحيدر قنديل (2026).

التكييف القانوني والجريمة عابرة الحدود

وعلى صعيد التكييف القانوني، أوضح المحامي الدولي عبد المجيد المراري (المختص أمام المحكمة الجنائية الدولية) أن الاختفاء القسري جريمة مركبة لا تسقط بالتقادم وتترافق مع سلسلة انتهاكات، مؤكداً أن الظاهرة تشكل “سياسة دولة وعقيدة نظام” في مصر.

​وأكد المراري أن امتناع مصر عن التوقيع على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لا يعفيها من التزاماتها بموجب العهود الدولية الأخرى التي صدقت عليها، واصفاً حجج التشريعات المحلية بالتبريرات النظرية للهروب من المحاسبة الأممية.

كما سلّط الضوء على خطورة تحول الانتهاك إلى “جريمة عابرة للحدود”، مستشهداً بواقعة اختطاف المواطن عبد الرحمن القرضاوي في لبنان وتسليمه للإمارات.

التوثيق الميداني والآليات الأممية

وفي الجانب الميداني، كشف الباحث القانوني ومسؤول التواصل بجمعية “الكرامة لحقوق الإنسان”، محمد الأحمدي، عن كثافة عمل المنظمة على الملف المصري منذ يوليو 2013 نظراً لمركزية مصر وحجم الانتهاكات فيها، موثقاً ما لا يقل عن 4000 حالة اختطاف واحتجاز سرّي لكسر الخطاب الرسمي المنكِر.

​وأوضح الأحمدي أن مسارات العمل تنوعت بين النداءات العاجلة للفريق الأممي المعني بالإخفاء القسري (WGEID)، والتقارير الهيكلية كتقرير الاستعراض الدوري الشامل ولجنة مناهضة التعذيب وتقييم المجلس القومي لحقوق الإنسان وفق مبادئ باريس، وصولاً للحملات المشتركة كحملة “أسرى الحرية” لعام 2026 بالتزامن مع الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان.

وأكد أن هذه الجهود حققت نتائج تراكمية ملموسة عبر إجبار السلطات على “إظهار” الضحايا رسمياً أمام النيابة، وإدراج مصر الدائم ضمن آليات المساءلة الأممية.

استهداف البيئة الحقوقية والأرقام الإحصائية

وامتداداً لمناقشة أبعاد الأزمة، تطرق الكاتب العام لجمعية ضحايا التعذيب بجنيف، عادل الماجري، إلى استهداف البيئة الحقوقية وترهيب الداعمين، مشيداً بتحول أسر الضحايا إلى “فاعل حقوقي” يربط التوثيق القانوني بالضغط الدبلوماسي.

واستعرض الماجري تعمد الشرطة استهداف المحامين والحقوقيين المباشر لرفع تكلفة التضامن، مستشهداً باحتجاز وإخفاء قيادات بارزة مثل: المحامي إبراهيم متولي (مؤسس رابطة أهالي المختفين قسراً)، والمحامي عزت غنيم (مدير التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان)، والمحامية هدى عبد المنعم (العضو السابق بالمجلس القومي)، والمحامي محمد أبو هريرة.

​وحول الإحصائيات الإجمالية، أعلن الماجري أن الحملات والمنظمات وثقت أكثر من 20 ألف حالة اختفاء قسري بين عامي 2013 -2026 ، موضحاً أن التقديرات تشير إلى أن نمط الاختفاء قصير الأجل يمثل 60% إلى 70% من الحالات قبل ظهورها أمام نيابة أمن الدولة العليا، بينما أُعيد ظهور عشرات الضحايا بعد مدة اختفاء ممتدة تجاوزت 3 سنوات متواصلة دون علم ذويهم أو محاميهم.

تفنيد الرواية الرسمية وأبعاد المأساة الإنسانية

وفي إطار تفنيد الرواية الرسمية، تساءل المحامي حسين عمار (مسؤول وحدة الرصد بجمعية المحامين الدولية) عن أسباب رفض إتاحة زيارات مستقلة للمنظمات الحقوقية إلى السجون مقابل الاكتفاء بزيارات رسمية منظمة، مؤكداً أن فتح أماكن الاحتجاز يمثل اختباراً حقيقياً للشفافية.

وفنّد عمار ادعاءات السلطة بإجراء 6 زيارات تفتيشية دون تسجيل مخالفات، مشيراً إلى أن ذلك يناقض الواقع الميداني والأعداد المتصاعدة للوفيات داخل السجون نتيجة الانتهاكات والإهمال الطبي الممنهج.

البعد الإنساني والكلمة الختامية

​وفي الكلمة الختامية التي سلطت الضوء على البعد الإنساني المأساوي للجريمة استشهد (مدير منظمة عدالة لحقوق الإنسان) المحامي محمود جابر بحالة أُمّ ضحية اختفى نجلها منذ 8 سنوات وتوقفت عضلة قلبها حزناً عليه، مؤكداً أن الاستمرار في الانتهاك وموت المحتجزين يثبت منهجيته ونيته المبيتة.

وشدد جابر على أن امتناع مصر عن التوقيع على الاتفاقية الدولية هو تعمد صريح للاستمرار في الممارسة والتستر على مرتكبيها، جازماً بالتزام المؤسسات الحقوقية بالنضال القانوني والميداني لمناهضة الانتهاكات حتى محاكمة الجناة.

​واختتم جابر كلمته بنبرة وجدانية: “حين تعجز الكلمات وتسبقها الدموع، ندرك أن الاختفاء القسري ليس ملفًا حقوقيًا يُغلق بانتهاء الحديث؛ بل وجعٌ مفتوح تعيشه أسر تنتظر أبناءها عامًا بعد عام، بلا خبر ولا إجابة.. لا تطلب هذه الأسر المستحيل، بل تطلب الحقيقة. اكشفوا مصير المختفين قسرًا، وأنهوا سنوات الانتظار”.

المطالب الحقوقية الختامية

​واختتم المشاركون الندوة ببيان حاسم طالبوا فيه بـ:

  • ​ ضرورة تصديق مصر على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري دون تحفظات.
  • إصدار قانون وطني يُجرم الاختفاء القسري بشكل واضح وصريح، ويُصنفه كجريمة ضد الإنسانية
  • التوقف الفوري عن كافة أشكال الاختفاء القسري وما يتعلق به من انتهاكات جسدية ونفسية وقانونية.
  • الإفصاح عن أماكن جميع المختفين قسًرا، وإعادتهم إلى ذويهم وليس إلى السجون والمعتقلات باتهامات ملفقة.
  • إعادة النظر في القضايا والاتهامات التي بُنيت على اعترافات لمختفين قسًرا بعد فترات من اختفائهم ثم ظهورهم في المحاكم والنيابات
  • إغلاق السجون السرية والمعتقلات غير القانونية، وتفعيل الإشراف القضائي على السجون ومقرات الاحتجاز.
  • إنشاء آلية قانونية لمساءلة المسئولين عن عمليات الاختفاء القسري، وعمليات التعذيب المتعلقة بها، كونها جرائم لا تسقط بالتقادم.

Add Comment