مقال | الإعدام السياسي … سلب للحق في الحياة
محمود جابر المحامي
مدير منظمة عدالة لحقوق الإنسان
اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام – السبت 10 أكتوبر 2026، الذكرى الرابعة والعشرون للمطالبة بإلغاء العقوبة أو وقف تنفيذها أو الحد من إصدارها.
تكمن خطورة هذه العقوبة في أن الخطأ في تطبيقها ثمنه حياة إنسان، ويستحيل تدارك الخطأ أو تصحيحه. ومن المؤسف أن تلك العقوبة بات استخدامها الشائع استخداماً سياسياً؛ فهي الأداة الأشهر في الدول التي ما زالت تطبق العقوبة للتخلص من الخصوم السياسيين، دون اكتراث بالقانون أو اعتبار للعهود والمواثيق الدولية.
ولأجل أن نثبت أن الإعدام أداة سياسية لسلب الحق في الحياة والاعتداء عليه، نستعرض في هذا المقال حالتين: الأولى وهي الأخطر “إصدار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين”، والأخرى “الحالة المصرية خلال 13 عاماً وإساءة استعمال العقوبة وتسييسها”.
في 30 من مارس/ آذار 2026 أقر الكنيست بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48 قانوناً يجعل الإعدام شنقاً العقوبة الأصلية للفلسطينيين المدانين أمام المحاكم العسكرية بقتل إسرائيليين في أفعال تصنف إرهاباً، ولا يجيز القانون للقضاة العدول عنها إلى السجن المؤبد إلا في ظروف استثنائية، ويسمح بإصدار الحكم دون إجماع هيئة المحكمة.
في الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي — ومنذ إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان — إلى ترسيخ كرامة الإنسان واحترام “الحق في الحياة” كحق مطلق وأصيل، لا يسقط بالتقادم ولا يسلب بالاجتهادات السياسية، نشهد اليوم انتكاسة حقوقية وأخلاقية وإنسانية خطيرة؛ تتجسد في مساعي سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتشريع وتفعيل ما يسمى بـ “قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين” كخطوة صريحة لممارسة عمليات قتل باسم القانون.
إننا أمام خطوة لا تمثل مجرد حكم عقابي قاسٍ، بل هي شرعنة صريحة للقتل العمد، وأداة للتصفية الجسدية والانتقام السياسي خارج نطاق القضاء.
إن نصوص هذا التشريع الجائر تكشف عن زيف الادعاء بتطبيق “العدالة”، فالقانون لم يصغ بمعايير جنائية مجردة، بل صُمم بأسلوب تمييزي عرقي صارخ؛ حيث يستهدف به الفلسطينيون كفئة خاضعة للاحتلال، مع انتزاع أساسيات الضمانات القضائية.
يُنَفَّذُ حكم الإعدام بواسطة ضابط سجون ملثم لحماية هويته، مع منحه حصانة كاملة من المسؤولية الجنائية والمدنية، وينفذ الحكم في غضون 90 يوماً من صدور القرار النهائي (مع هامش استثنائي حتى 180 يوماً) دون إمكانية لتخفيفه أو إلغائه.
حين يتحول القانون من أداة لحماية الإنسان إلى غطاء لإنهاء حياته، فنحن أمام شرعنة للقتل لا أمام تشريع للعدالة.
نستحي كقانونيين أن نصف هذا التشريع الإسرائيلي المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين أو نعتبره قانوناً بالمعنى الحقيقي، فهذا لا يعدو كونه غطاء لإنهاء حياة الإنسان الفلسطيني.
وخطورته تتجاوز عقوبة الإعدام ذاتها إلى محاولة منح قتل سلطة الاحتلال غطاءً قانونياً وتشريعياً لقتل الفلسطيني.
إن التحرك نحو هذا التشريع يأتي امتداداً للانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
إن الحق في الحياة لا يمكن أن يصبح محل انتقاص أو استثناء على أساس الهوية أو الجنسية.
تأتي المناسبة العالمية التي تدعو للحفاظ على الحق في الحياة هذا العام، وفي مصر تبرز خطورة التوسع في إصدار أحكام الإعدام طوال السنوات الماضية؛ إذ باتت العقوبة تُمارَس بعيداً عن أهداف العدالة ومعايير المحاكمة العادلة، لتتحول إلى أداة للتنكيل بالمعارضين وسلب قسري للحق في الحياة.
وحسب رصد منظمة عدالة لحقوق الإنسان، أصدر 19 قاضياً بمفردهم 1056 حكماً بالإعدام ضمن أحكام جماعية بالمئات في الجلسة الواحدة وذلك في القضايا ذات الطابع السياسي. وبشكل عام ارتفع مؤشر الرصد لأحكام الإعدام في القضايا الجنائية والسياسية ما بين 3000 إلى 3500 (ما بين قرارات إحالة أوراق للمفتي، وأحكام بالإعدام صدرت بشكل غير نهائي، وبعضها نهائي خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية)، وما زال 101 محكومين بالإعدام النهائي البات في قضايا ذات طابع سياسي، فضلاً عن إعدام 109 آخرين في القضايا السياسية.
ويتزامن هذا مع توسع خطير في محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري بموجب القرار بقانون 136 لسنة 2014 وتعديلات الدستور لعام 2019، وهو قضاء يُدار تنفيذياً بواسطة ضباط يخضعون لوزارة الدفاع ولا تُصادق أحكامه إلا منها.
كما جرى إهدار حق الطعن أمام محكمة النقض في أحكام “أمن الدولة العليا طوارئ”، لتصبح أحكام الإعدام نهائية وباتة ومستوجبة للنفاذ فور صدورها.
وتؤكد الوقائع أن هذه الأحكام تُبنى على منظومة باطلة تبدأ بالقبض والاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري لأسابيع أو أشهر بالمخالفة للمادة (9) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وتصل إلى التعذيب البدني والنفسي لإكراه المتهمين على الاعتراف، بالمخالفة للمادة (5) من الإعلان العالمي والمادة (15) من اتفاقية مناهضة التعذيب.
أحكام إعدام بُنيت على اعترافات منتزعة تحت وطأة التعذيب، وأي اعتراف يُنتزع تحت الإكراه هو اعتراف باطل قانوناً، والبناء عليه لإصدار حكم بالإعدام هو قتل خارج نطاق القضاء تعسفاً.
ختاماً، نقول إن الحالتين تشكلان اعتداءً صارخاً على الحق في الحياة، سواءً من سلطة الاحتلال، أو من السلطات المصرية عند إساءة استعمال عقوبة الإعدام.
فإن قانون إعدام الأسرى يكرس نظام التمييز العنصري، حيث يُعامل الإنسان الفلسطيني خارج نطاق الحماية القانونية، وتُسلب منه حقوقه وأخصها الحق في الحياة.
وقانون العقوبات المصري يقر عقوبة الإعدام في جرائم لا تُعد من الجرائم الأشد خطورة، وبالتالي نكون أمام إسهاب في تطبيق عقوبة الإعدام، ومع حالة التسييس السائدة في مصر التي أدت إلى غياب استقلال القضاة والقضاء، توسع إنزال عقوبة الإعدام دون ضابط قانوني عادل.
في العاشر من أكتوبر من كل عام، يقف العالم ليقول: “لا لعقوبة الإعدام”. وفي هذا اليوم، يجب أن نمتد بهذا النداء لنقول بأعلى صوت: “لا للإعدام.. نعم للحق في الحياة”.