Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

ثمار الجهد الحقوقي بين الواقع المؤلم والأثر التراكمي

إجابة صريحة حول قضية المعتقلين في مصر” أسرى الحرية في السجون المصرية”

محمود جابر المحامي

مدير منظمة عدالة لحقوق الإنسان

​شهدت الساحة الحقوقية مؤخراً نقاشاً صريحاً ومحترماً يمس الألم الحقيقي للمظلومين وذويهم الذين أرهقهم الانتظار.

ويأتي هذا المقال للإجابة عن تساؤل يستحق الرد، يطالب ببيان النتائج الفعلية والثمار الحقيقية للمؤتمرات والزيارات الميدانية والكلمات في جنيف وغيرها، ويتساءل بوضوح: ما الذي تغير على أرض الواقع؟ وماذا تحقق لمن يقبعون خلف الزنازين؟

​إن الرد على هذا الطرح الصادق يتطلب جمعاً بين الشفافية الشديدة وتشخيص الدور الحقيقي للمنظمات الحقوقية والدولية دون تهويل أو تهوين.

فقضية الأسرى والمعتقلين والمظلومين في السجون المصرية ليست مجرد “شو إعلامي” ولا صور ومؤتمرات، بل هي حياة أناس وحرياتهم التي يستحقونها.

​ولبيان مسار هذه الجهود وثمرتها الفعلية، ينقسم الرد إلى شقين رئيسيين:

​الشق الأول: الشفافية التامة والمصارحة بالواقع المؤلم

​إذا كان المقصود بالنتائج أن زيارات متتالية لجنيف أو مؤتمراً حقوقياً سيؤدي غداً إلى فتح أبواب السجون وإخلاء سبيل كافة المعتقلين، فالحقيقة المرة التي يجب الإقرار بها بوضوح هي: لا، هذا لم يحدث ولن يحدث بقرار من مؤتمر حقوقي.

​السلطات الاستبدادية لا تفرج عن المعتقلين بلمسة زر لمجرد أن حقوقياً ألقى كلمة في الأمم المتحدة؛ فالعمل الحقوقي الدولي ليس سلطة تنفيذية تملك مفاتيح السجون، ومن يعد الناس بذلك فهو يبيعهم الوهم والكذب.

لكن عدم وجود أثر عاجل فوري لا يعني انعدام القيمة، بل إن العمل الحقوقي يُبنى على مبدأ “الأثر التراكمي”، الذي يشكل خط دفاع أخير وحائط صد ضد الانتهاكات.

​الشق الثاني: الأثر التراكمي للعمل الحقوقي

إن العمل الحقوقي لا يحقق أثراً عاجلاً، وإنما يبني أثراً تراكمياً يمثل هدفاً رئيسياً وخط دفاع أخير

ويتجلى هذا الأثر التراكمي للتحركات واللقاءات الدولية في خمسة أبعاد رئيسية:

1- حماية القضية العادلة من الموت والنسيان السياسيين:

أكبر خطر يواجه القضايا العادلة هو النسيان؛ حيث يراهن النظام دائماً على عامل الوقت تحت شعار: “اسجنهم، واتهمهم، ومع الوقت سينساهم العالم”.

الحضور والمشاركة في جنيف والمحافل الدولية، وتقديم الشكاوى والدعاوى القضائية يضمن إبقاء الملف حياً، ويفرض قضية المعتقلين على جدول أعمال المفاوضات السياسية، والقروض، واتفاقيات الشراكة.

وعلى سبيل المثال، تم في نهاية عام 2018 تقديم شكوى ضد مصر في الاتحاد الأوروبي أوقفت دعماً مالياً كبيراً كان يُقدّم للمحاكم المصرية بسبب قضية المعتقلين السياسيين وعدم احترام حقوق الإنسان.

وتقدمنا ب ثلاثة دعاوى قضائية أمام المحاكم الفرنسية تمكنا من ذلك مع شركاء قانونيين على رأسهم المحامي الراحل عنا الدكتور چيل دوفير، لصالح ضحايا التعذيب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها النظام المصري، في إطار مبدا الولاية القضائية العالمية الشاملة المعمول به في فرنسا،

ومازالت تلك الدعاوى متداولة أمام محكمة أوروبا لحقوق الإنسان، بالإضافة لعدد كبير من الشكاوى والدعاوى المرفوعة أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان، وفي لاهاي وفي جنوب أفريقيا.

2- ​إسقاط رواية النظام وتعرية محاولات غسل السمعة:

في ظل إنفاق الملايين من ميزانية الدولة لتحسين الصورة والادعاء بعدم وجود معتقل سياسي واحد، أو مختفين قسرياً، أو إعدام تعسفي، أو إهمال طبي، تتضح أهمية وضرورة حضور هذه المؤتمرات لمواجهة هذه الرواية الكاذبة.

إن تنسيق الجهود الحقوقية يُبطل ملايين الدولارات التي تنفقها السلطات على شركات العلاقات العامة لتزييف الواقع، لنقول للعالم بالحجة والوثائق: “الواقع هو عكس ما يقال لكم”.

3- ​القرارات والتوصيات الأممية ذات التداعيات السلبية على النظام:

اللقاءات المباشرة مع المقررين الخواص وفريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، وآليات الأمم المتحدة تُترجم إلى مذكرات رسمية وتقارير إدانة دولية.

هذه التقارير تُوثّق الجرائم بأرقام وأسماء، وتصبح مستنداً قانونياً مرجعياً تلتزم به الدول والمنظمات الاقتصادية والدولية في تعاملها مع النظام المصري.

4- ​رفع تكلفة الانتهاك (الضغط والمحاسبة):

حين يعلم السجان أو الأجهزة الأمنية أن اسماً أو ملفاً معنياً قد وصل إلى جنيف وأصبح تحت مجهر “الفريق المعني بالاحتجاز التعسفي” وغيره من الفرق التابعة لمجلس حقوق الإنسان، فإن هذا يشكل ضغطاً يمنع -في كثير من الحالات- تدهور وضع المعتقل، أو يحدّ من التعذيب، أو يدفع لتحسين ظروف الاحتجاز ووقف الإهمال الطبي.

وهناك معتقلون أُفرج عنهم أو تم تحسين ظروفهم لمجرد أن ملفهم أصبح “مكلفاً سياسياً” للنظام دولياً (وهي أمثلة موجودة بالرغم من الكم الأكبر لعدد المعتقلين السياسيين الذي يزيد عن 60 ألفاً).

​

5- ​بناء الملفات للمحاسبة المستقبلية ومنع الإفلات من العقاب:

كل كلمة تُقال وكل وثيقة تُسلّم في جنيف تُحفظ في الأرشيف الدولي الرسمي.

ولأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، فإن هذه التوصيات والتقارير تشكل البنية الرئيسية لأي مسار محاسبة أو ملاحقة قضائية دولية (أو محلية مستقبلاً).

ولابد لنا أن نعلم أن المنظمات غير الحكومية تُعد ركيزة من ركائز حماية حقوق الإنسان في المجتمع الدولي نظرًا للإمكانيات والآليات المتعددة التي تملكها ومنها:

تحقيق مصالح الأفراد والدفاع عنها.

محاولة إيقاف انتهاكات حقوق الإنسان.

السعي إلى تنفيذ القوانين الوطنية والدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

إن العمل الحقوقي هو ضرورة مجتمعية ملحة، خصوصا في الظروف الحالية التي نعيشها. ويتحمل النشطاء الحقوقيون حملا ثقيلا في تعريف المجتمع بحقوقه ومن ثم الدفاع عنها، ويتحملون في سبيل ذلك أخطار كثيرة. ولكي ينجح العمل الحقوقي في ظل هذه الظروف يجب أن تتوفر لهذه المنظمات الحقوقية عوامل نجاح عالية.

​ختاماً: المعركة الحقوقية والأدوات المتاحة ورسالة إلى الأسرى وذويهم

​إن جنيف والأمم المتحدة هي ميدان من ميادين المعركة، تُخاض بأدواتها القانونية، والدبلوماسية، والعلمية، والمهنية. قد لا نملك مفتاح السجن، لكننا نملك أن نكون صوت الأسير والسجين، وأن نقضّ مضجع الظالم، ونمنعه من الاستفراد بالضحية في صمت.

وإلى الأسرى وأهليهم نقول: إن حجم الألم والوجع ورغبة الأسرى وذويهم في الحرية أمر متفهم تماماً؛ فيوم واحد خلف الزنازين يعادل سنة، وهناك عائلات تنتظر منذ 13 سنة، نُقدر لكم تلك التضحيات وهذا الصبر على معاناة السجون والغياب الذي طال، لا نعطي لكم أملًا لكننا نستمده منكم،

وقد يرى البعض هذا الجهد بطيئاً، وهو بالفعل هكذا فهو تراكمي ولا يعطي نتائج سحرية فورية، لكنه خط دفاع أخير لا يصح تركه أو التراجع عنه، علينا بذل العناية والأخذ بالأسباب، والنتائج ليست بأيدينا.

Add Comment